الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

403

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الذين أرسلهم إلى تلك الأقوام مع القلة القليلة ممن اتبعهم . إلا أن قضية نبي الله يونس تنتهي أحداثها بشكل معاكس لما انتهت إليه تلك القصص ، إذ أن قوم يونس صحوا من غفلتهم وتابوا إلى الله فور مشاهدتهم دلائل العذاب الإلهي الذي سيحل لهم إن لم يؤمنوا ، وأن الله شملهم بلطفه وأنزل عليهم بركاته المادية والمعنوية ، وفي المقابل فإن نبي الله يونس ابتلي ببعض الابتلاءات والمشاكل لأنه تعجل في ترك قومه وهجره إياهم ، حتى أن القرآن المجيد أطلق عليه كلمة ( أبق ) والتي تعني هرب العبد من مولاه ! وهذه القصة بمثابة خطاب موجه لمشركي قريش ، وإلى كل البشر على طول التأريخ ، جاء فيه : هل تريدون أن تكونوا كالأقوام الخمسة الماضية ، أم كقوم يونس ؟ وهل ترغبون في أن تكون عاقبتكم الشؤم والألم ؟ أما ترغبون في أن تنتهي عواقبكم بخير وسعادة ؟ اعلموا أن ذلك مرتبط بما تعزمون عليه . على أية حال ، فإن ذكر هذا النبي العظيم وقصته مع قومه ، وردت في سور متعددة من سور القرآن المجيد ( منها سورة الأنبياء ، ويونس ، والقلم ، وفي هذه السورة أي الصافات ) وعكست كل واحدة منها جوانب من أوضاعه وحياته ، وسورة " الصافات " هذه تسلط الأضواء أكثر على قضية هرب يونس وابتلاءه ، ومن ثم نجاته من بطن الحوت . في البداية ، وكما تعودنا في القصص السابقة ، فإن الحديث يكون عن مقام رسالته ، إذ تقول الآية : وإن يونس لمن المرسلين . نبي الله " يونس " ( عليه السلام ) كسائر الأنبياء العظام بدأ بالدعوة إلى توحيد الله ومجاهدة عبدة الأصنام ، ومن ثم محاربة الأوضاع الفاسدة التي كانت منتشرة في مجتمعه آنذاك ، إلا أن قومه المتعصبين الذين كانوا يقلدون أجدادهم الأوائل رفضوا الاستجابة لدعوته . استمر يونس ( عليه السلام ) بوعظ قومه بقلب حزين لأجلهم ، مريدا لهم الخير وكأنه أب